رسمت مجلة "هورن ريفيو" تصورًا لاستراتيجية مصر في التوترات الراهنة في الشرق الأوسط، قائلة إنها "لا تُمثل حيادًا بالمعنى النبيل، بل تعكس فقدانها للنفوذ. ففي منطقةٍ غالبًا ما تُمارس فيها الدول نفوذها من خلال تحالفات واضحة ومواقف حاسمة، يبدو ضبط النفس المصري أقرب إلى التقييد منه إلى الاستراتيجية".
وأضافت: "كان لمصر في الماضي دورٌ محوري في رسم ملامح العالم العربي، لكن يبدو أن هذا الدور قد تضاءل. فاليوم، تُقيّد سياستها الخارجية عوامل عديدة، منها الضغوط الاقتصادية الداخلية، والمخاوف الأمنية، وتراجع قدرتها على التأثير في الأحداث خارج حدودها".
وأشارت إلى أن تجنبها اتخاذ موقف حازم في المواجهة لا يُظهر مجرد دبلوماسية حذرة، بل يُظهر أيضًا دولةً فقدت القدرة على توجيه مسار الأحداث".
وتابعت: "كان هناك زمن لم تكن فيه مصر تحسب موقعها في المنطقة، بل كانت هي من تحدده. ففي عهد جمال عبد الناصر، كانت القاهرة القلب السياسي والأيديولوجي للعالم العربي، حيث صاغت الخطابات، وحشدت الجماهير، وبرزت كصوت لهوية إقليمية أوسع. وفي وقت لاحق، في عهد أنور السادات، أثبتت مصر قدرتها على تغيير الخريطة الاستراتيجية للشرق الأوسط من خلال تحركات حاسمة، أبرزها اتفاقيات كامب ديفيد. في تلك العقود، لم تكن مصر مجرد متفاعلة مع السياسات الإقليمية، بل كانت هي من تحدد مسارها".
تقييد الموقف المصري
لكن المجلة قالت إن "تلك الحقبة قد ولّت تدريجيًا. لم يعد الشرق الأوسط اليوم محصورًا في يد فاعل عربي مهيمن واحد، بل تحوّل النفوذ نحو دول خليجية ذات قوة مالية هائلة، كالإمارات العربية المتحدة والسعودية، التي ترجمت قدراتها الاقتصادية إلى نفوذ سياسي. وقد وضع هذا التحوّل مصر في موقف أكثر تقييدًا، حيث لم يعد ثقلها التاريخي يتناسب مع إمكانياتها الحالية".
ورأت أن تطور علاقة مصر بإيران يعكس هذا التغيير الأوسع، "فقبل الثورة الإيرانية، كانت مصر وإيران متحالفتين ضمن إطار استراتيجي مشترك. في عهد محمد رضا شاه بهلوي، دعمت إيران مصر اقتصاديًا وسياسيًا، وعملت الدولتان ضمن نظام ذي توجه غربي يُعطي الأولوية للاستقرار وسلطة الدولة. كانت علاقتهما براجماتية، قائمة على المصالح المشتركة أكثر من الثقة العميقة".
لكنها رصدت تحولاً في التحالف بين البلدين عقب الإطاحة بحكم الشاه في أواخر سبعينات القرن الماضي، قائلة: "أحدثت الثورة في إيران اضطرابًا جذريًا في هذا التحالف. فقد أدخل ظهور نظام سياسي جديد بقيادة روح الله الخميني بُعدًا أيديولوجيًا نظرت إليه مصر بعين الريبة. وقرار مصر بالحفاظ على سلامها مع إسرائيل، وتحالفها الأوسع مع شركائها الغربيين، وضعها على مسار مختلف عن مسار إيران. انقطعت العلاقات الدبلوماسية، والأهم من ذلك، فقدت العلاقة أساسها الاستراتيجي. لم يكن ما تلا ذلك مواجهة مباشرة، بل فترة طويلة من التباعد اتسمت بالحذر والمنافسة غير المباشرة".
وأوضحت المجلة أنه "بمرور الوقت، ترسخ هذا التباعد مؤسسيًا. تقاربت مصر أكثر مع دول الخليج والولايات المتحدة، بينما وسّعت إيران نفوذها الإقليمي عبر قنوات بديلة. ومع ذلك، ورغم هذا التباين، لم تتعامل مصر قط مع إيران كتهديد وجودي مباشر. وظل التوتر غير مباشر، متأثرًا بالديناميات الإقليمية لا بالتنافس المباشر. وقد مكّن هذا مصر من الحفاظ على قدر من المرونة لا يزال يؤثر على سياستها حتى اليوم".
مع ذلك، أشارت إلى أن السنوات الأخيرة شهدت بوادر عودة حذرة للعلاقات بين البلدين . ولا تعكس هذه الجهود مصالحة جوهرية، بل تكيفًا مع بيئة إقليمية متغيرة. فمع ازدياد تشرذم الشرق الأوسط وتراجع هيمنة التحالفات الجامدة، أبدت كل من مصر وإيران رغبة في تخفيف حدة التوترات، لكنها وصفت هذا التعاون بأنه "لا يزال محدودًا، مقيدًا بعقود من انعدام الثقة وتضارب المصالح".
ورات أن "فهم موقف مصر في الحرب الحالية يستلزم وضعها في سياق هذا التدهور الممتد. إن رفض القاهرة الانحياز لأي طرف لا يتعلق بالتوازن أو ضبط النفس، بل يعكس انعدام الخيارات. فمصر، تحت ضغط خارجي وقيود داخلية، لم تعد قادرة على التأثير في مجريات الأحداث أو ممارسة نفوذ حاسم في المنطقة".
وقالت إنه "ما قد يبدو حيادًا حذرًا هو في الواقع موقف دفاعي. فمصر تخوض غمار بيئة متوترة وتنافسية، حيث قد يكشف أي موقف واضح عن قصورها. وبدلاً من أن تضع أجندة الصراع، تحاول تجنب الانجرار إلى صراع لا تملك فيه سوى تأثير ضئيل".
الخطر الاقتصادي
ونظرت المجلة إلى الخطر الاقتصادي باعتباره الأكثر إلحاحًا من بين هذه المخاطر، وهو يُؤثر بشكل كبير على سلوك السياسة الخارجية المصرية. فالبلاد تُعاني بالفعل من ضغوط التضخم وعدم استقرار العملة، وتراكم الديون، في حين تعتمد على شرايين حيوية خارجية هشة كقناة السويس والسياحة والاستثمار الأجنبي.
وأشارت إلى أن أي تصعيد كبير في المنطقة، ولا سيما أي تعطيل أو إغلاق لمضيق هرمز، سيؤثر بشكل مباشر على قناة السويس من خلال تقليل تدفق السفن التي تحمل تجارة الخليج وأوروبا، مما يُقلل من عائدات العبور.
وفي الوقت نفسه، فإن ارتفاع أسعار الطاقة العالمية، وزيادة تكاليف الشحن، وتحويل مسار السفن حول أفريقيا، قالت إن من شأنه أن يُضعف عائدات القناة، بينما يُؤدي عدم الاستقرار إلى عزوف السياح والمستثمرين.
في هذا السياق، قالت المجلة الإثيوبية، إن انكشاف مصر الاقتصادي ليس افتراضيًا؛ بل هو واقع ملموس ومرتبط ارتباطًا وثيقًا باستقرار الطرق البحرية البعيدة ولكنها متصلة.
ورصدت في هذا الإطار، أن الضغوط الاقتصادية أدت أيضًا إلى تغيير طبيعة علاقة مصر بالخليج. ففي الماضي، كانت القاهرة تقود سياسيًا بينما لعبت دول الخليج دورًا داعمًا. لكن هذا التوازن قد تغير. فاليوم، تستخدم دول مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة قوتها المالية لتشكيل السياسة الإقليمية بطرق باتت مصر عاجزة عنها بشكل متزايد، وتمنحها مواردها نفوذًا يتجاوز الاقتصاد، ليمتد إلى الدبلوماسية وصنع القرارات الاستراتيجية.
وفي الوقت نفسه، قالت إن اعتماد مصر المتزايد على الدعم المالي من هذه الدول أدى إلى تغيير طبيعة العلاقة، فلم تعد علاقة قيادة، بل علاقة تبعية، حيث باتت القاهرة أقل قدرة على التصرف باستقلالية.
ورأى التقرير أن المخاوف الأمنية تُفسّر حذر مصر، لكنها تُبرز أيضًا تركيزها المُضيّق. فالدولة منشغلةٌ إلى حدٍ كبير بالتهديدات المباشرة في شبه جزيرة سيناء وعلى طول حدودها مع قطاع غزة ، حيث لا تزال مخاطر امتداد الصراعات المسلحة ونزوح السكان مرتفعة. وبدلاً من بسط نفوذها في المنطقة، تُركّز مصر على احتواء عدم الاستقرار داخل حدودها.
واعتبرت ان هذا النهج الانعزالي يُؤكّد محدودية نطاقها الاستراتيجي، وما يُصوّر على أنه أولوية أمنية هو في الواقع قيدٌ يُقيّد قدرة مصر واستعدادها للانخراط بفعالية في صراعات إقليمية أوسع.
الصعوبات الاقتصادية
كما رأت أن العوامل السياسية الداخلية تلعب دورًا حاسمًا أيضًا، فقد زادت الصعوبات الاقتصادية من حساسية الرأي العام تجاه قرارات الحكومة، لا سيما تلك المتعلقة بالسياسة الخارجية. ولا تزال القضية الفلسطينية ذات أهمية بالغة في المجتمع المصري، وأي تقارب يُنظر إليه على أنه مع إسرائيل ينطوي على مخاطر سياسية. وفي الوقت نفسه، يُعدّ التقارب مع إيران إشكاليًا أيضًا، نظرًا لانعدام الثقة والاختلافات الأيديولوجية القائمة منذ زمن طويل، ولذلك، يوفر الحياد سبيلًا لإدارة هذه الضغوط المتضاربة مع الحفاظ على الاستقرار الداخلي.
وفيما يتساءل التقرير: هل من المرجح أن يتبع مستقبل علاقة مصر بإيران نمطًا مشابهًا من الانخراط الحذر؟، قال: "لدى كلا البلدين دوافع لتجنب التصعيد واستكشاف مجالات محدودة من التعاون. مع ذلك، ستستمر القيود الهيكلية في الحد من عمق هذه العلاقة".
وهوا ما عزاه إلى "عقود من انعدام الثقة، إلى جانب تحالفات مصر القائمة، تجعل التطبيع الكامل غير مرجح على المدى القريب". وعلى نطاق أوسع، توقع أن يعتمد دور مصر المستقبلي في الشرق الأوسط على قدرتها على معالجة تحدياتها الداخلية. سيكون الاستقرار الاقتصادي بالغ الأهمية. فبدونه، ستظل قدرة مصر على بسط نفوذها محدودة، وسيظل دورها في السياسة الإقليمية محصورًا بالقيود لا بالقيادة.
في هذا السياق، نظرت المجلة إلى اعتبار حياد مصر في الحرب الحالية جزءًا من تحول أوسع نطاقًا، فهو يعكس تحولًا من سياسة خارجية مدفوعة بالطموح إلى سياسة تُمليها الضرورة. فالدولة التي كانت تُحدد ديناميكيات المنطقة في السابق، تتكيف الآن مع واقعٍ تتوزع فيه القوة بشكل أكبر، حيث يجب ممارسة النفوذ بحذرٍ أشد.
وخلصت إلى أنه "ما كان يُعتبر في السابق قيادة إقليمية تحوّل إلى استراتيجية للبقاء بدلاً من التأثير. إن قرار مصر بالبقاء على الحياد ليس دليلاً على المرونة، بل هو مؤشر على مدى انكشافها في منطقة لم تعد تُشكّلها. في شرق أوسط يزداد فيه نفوذ من يملكون القدرة على بسط نفوذهم، تجد مصر نفسها تراقب أكثر مما تُوجّه".
https://hornreview.org/2026/04/15/egypt-iran-and-the-politics-of-neutrality/

